الثلاثاء، آذار 26، 2019

مجتمع افتراضي… “فالج لا تعالج”

18 شباط
, 2019
, 11:07ص
مجتمع افتراضي… “فالج لا تعالج”

 

دافيد عيسى

المجتمع اللبناني مجتمع حيوي ديناميكي أفراده يعشقون الحياة ولديهم الموهبة والكفاءة والقدرة على التقدّم ومواكبة العصر كما على التكيّف والتأقلم مع كلّ الظروف، ولو لم يكن كذلك لما استطاع الصمود والتغلّب على كلّ الأزمات الشديدة والأزمنة الرديئة والأيام الصعبة التي مرّوا بها.
ولكن ثمّة وجه آخر “سلبي” لهذا المجتمع و”سيئات” أخذت تطفو على سطحه وتتكاثر في السنوات والأشهر الأخيرة حتى غدت جزءاً لا يتجزأ من صورته ونظامه ونمط عيشه وتفكيره، بعضها متوارث وبعضها الآخر مستحدث.
من هنا يجب الإضاءة عليها لتبيان مكامن الخلل والسعي إلى تصحيح سلوكيات وممارسات، وكثيرة هي الأمثلة والنماذج التي نعيشها وقد اعتدنا عليها إلى درجة نكاد نعتبرها طبيعية ومبرّرة ولا نرى فيها سوءاً وشواذاً…
وعلى سبيل المثال لا الحصر:
– يشكو اللبنانيون كثيراً من الحكّام والمسؤولين والوزراء والنواب… وتحفل مواقع التواصل الاجتماعي بكل أنواع الحملات والانتقادات والدعوات إلى تغيير هذه الطبقة والثورة على هذا الواقع ويصل الأمر عند البعض إلى “لعن الساعة” التي انتخبنا فيها هؤلاء وأعطيناهم ثقتنا… والمفارقة هنا أن الانتخابات تعيد إنتاج نفس النواب والطبقة السياسية وأن الناس الذين أمعنوا في شنّ الحملات والحضّ على التغيير والاعتراض، يعيدون انتخاب من يشكون منه ويكررون الخطأ ويفوّتون الفرصة تلو الأخرى كلما سنحت لهم الفرصة للتغيير.
– يغدق الناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي الصفات الحسنة على المسؤول عندما يكون في سدّة المسؤولية ويشغل مركزاً ومنصباً خدماتياً رفيعاً ويُكيلون له المديح والإطراء إلى حدّ التملّق والتزلّف… وما إن يغادر هذا المسؤول مركزه ويصبح خارج السلطة، حتى يصبح خارج الاهتمام، حتى أن أحداً لا يعود يتحدث عنه ولا يسأل عنه، هذا إذا لم يتحوّل ضدّه ويبدأ بانتقاده والتحامل عليه واتهامه بالفساد.
– يطالعنا من وقت إلى آخر خبر موت وغياب شخصية مميّزة في مجالها السياسي أو الإعلامي أو الفني أو الثقافي أو الاقتصادي… يتناقل مواقع التواصل الاجتماعي هذا الخبر بطريقة مؤثرة وتفيض في عبارات الرثاء والأسى… ولم يكن “الفقيد الراحل” ليحظى بنذر يسير من هذا الاهتمام عندما كان على قيد الحياة منسياً ومهملاً على قارع الحياة… هذا سلوك اجتماعي لا يختلف عن سلوك الدولة التي تكرّم رجالها المميزين والذين قدّموا تضحيات أو بطولات بعد موتهم ولا تفيهم حقّهم وقيمتهم في حياتهم.
– يكثر الناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي والجالسون في الصالونات الفكرية والسياسية، من معاداة الطائفية واعتبارها علّة العلل ومن الدعوة إلى التخلّص منها وإقامة الدولة المدنية والروح الوطنية، وعندما يتعلّق الأمر بمكاسب وحصص طائفية وعندما ينبري زعيمهم إلى رفع الصوت ذوداً عن “مكاسبه” التي يصوّرها مكاسب لطائفته، هؤلاء أنفسهم تتحرّك فيهم النخوة والعصبية الطائفية ويسري في عروقهم دم الثورة والانتفاضة ضدّ من يتعدّى على حقوق الطائفة وكرامتها، ويصبحون طائفيين حتى “العظم” ومن دون خجل ومواربة.
– في العالم الافتراضي حيث وسائل التواصل السريع والتناقل الأسرع للأخبار والمعلومات، تسري الإشاعات مثل النار في الهشيم ويصبح من الصعب تمييز الحقيقة عن الإشاعة والحقّ عن الباطل… ومن دون تبصّر وتثّبت من الأقاويل وخلفيّات وأهداف الذين ينشرونها، يجري التفاعل بتهوّر واستخفاف وعدم مسؤولية مع إشاعات والتعاطي معها على أنها صحيحة من دون تكليف النفس عناء التحقّق من صحّتها ومن دون انتظار موقف المعني بها وكلمة القضاء والسلطات المعنية…
هذا ما حدث أخيراً في نشر خبر واقعة تتّصل بوزير الدفاع السابق يعقوب الصرّاف الرجل الآدمي والخلوق والذي ما كاد يغادر منصبه حتى شنّت عليه حملة جائرة من قبل البعض حافلة بالافتراء في محاولة فاضحة للنيل من سمعته ومكانته، والطعن في جهوده المخلصة والحثيثة طوال توليه وزارة الدفاع ، وهنا لا بدّ من القول إنه بإمكانك أن تختلف مع يعقوب الصرّاف فهو صعب في تعاطيه في الأمور التي تخصّ الدولة وهو دقيق جداً وهذا ما يسبّب له خلافات كثيرة مع العديد من الناس، أما أن يقال عنه ما قيل فهذا ظلم وافتراء بحقه.
– عندما تقع حادثة مأساوية ومفجعة تهزّ الضمائر وتصدم المشاعر، تشتعل مواقع التواصل الاجتماعي بعبارات “الغضب الساطع الآتي” و”الثورة الشعبية”، حتى تخال أن المجتمع سينفجر ويفجّر احتقانه وغضبه المكتوم في الشارع وأن ثورة ستشتعل على الأرض… وإذ بالأمر ينتهي إلى “فورة” مشاعر وإلى ثورة افتراضية لا علاقة لها بالواقع…
هذا ما حدث أخيراً عندما أحرق المواطن جورج زريق نفسه احتجاجاً على واقع اجتماعي تربوي لم يعد يُطاق وقامت موجة واسعة من التضامن والاحتجاج والغضب اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي ووُجّهت دعوات ملحّة إلى الاعتصام والتظاهر أمام وزارة التربية ولم يكترث لها ويتفاعل معها إلا عشرات في اعتصامات رمزية وخجولة..
هذا المجتمع اللبناني الافتراضي الغارق في مفارقات وتناقضات لن يشهد على أرض الواقع لا انتفاضة ولا ثورة شعبية… ليس فقط لأنه يعيش في عالم افتراضي منفصل عن الواقع وإنما أيضاً لأنه لا سبيل إلى ثورة شعبية ناجحة في ظلّ أحزاب تتحكّم بالناس وتسيطر عليهم وفي ظلّ طائفية تتحكّم بالأحزاب وتسيّرها…
في الختام لبنان بلد المفارقات كونه مقسّم إلى أجزاء وكلّ جزء يحسب نفسه أمّة، من هنا أقول وبكل أسف…بلدنا “فالج لا تعالج”.

العودة إلى أعلى
array(4) {
  ["post__not_in"]=>
  array(1) {
    [0]=>
    int(495570)
  }
  ["posts_per_page"]=>
  string(1) "3"
  ["category__in"]=>
  array(1) {
    [0]=>
    int(29)
  }
  ["no_found_rows"]=>
  int(1)
}