الخميس، آب 10، 2017

مبروك التوافق… وعقبال النسبية الكاملة

19 حزيران
, 2017
, 12:13م
مبروك التوافق… وعقبال النسبية الكاملة

فؤاد مخزومي

مبروك التوافق على قانون الانتخاب الجديد ولا أسف على الستين… لقد أصبح عندنا الآن قانون جديد للانتخاب. قانون يعتمد النسبية لأول مرّة منذ اتفاق الطائف في العام 1979. هذا القانون الذي تم التوافق عليه بين القوى النافذة على الساحة السياسية يؤكد لنا أن التغيير المنشود بعيد لكنه ليس مستحيلاً. فليست الدوائر الـ15 هي ما يصبو ويطمح إليه غالبية اللبنانيين، خصوصاً إذا كان دستور الطائف هو المقياس.

بداية، يُسجّل للعهد ورئاستي الحكومة ومجلس النواب التصميم على التوصل إلى اتفاق حول قانون جديد للانتخاب. 

الجيد في الأمر أن النسبية ولو مبتورة دفنت الستين على أمل أن يكون القانون الجديد مدخلاً لاعتماد النسبية الكاملة ولبنان دائرة واحدة ومن خارج القيد الطائفي والمذهبي، فبهذا فقط نكون فعلياً قد أنقذنا لبنان وحصنّاه من عواصف المنطقة ووضعنا بلدنا على سكة الديمقراطية الحقة وعلى لائحة الدول القابلة للحياة. 

المهم الآن أن يشكل القانون منطلقاً لإحداث اختراق في الساحة السياسية والمراوحة القاتلة، فنضع خلفنا الإنقسامات التي قامت بعد 2005 ونرذل الاصطفافات الطائفية والمذهبية والخطاب المؤجج للعصبيات والمشجع على الفرقة والصراعات. فليست الحرب الأهلية 1975 هي وحدها “تنذكر وما تنعاد”، بل أيضاً السنوات العجاف التي تلت جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، يجب أن نتذكرها لنعتبر ونقف جميعاً حائلاً دون عودتها.

لا بد أيضاً من الإقرار بأن الإنجاز الذي تمثل بالتخلص من قانون الستين ما كان ليحصل لولا الضغوط المجتمعية التي مارستها قوى المجتمع المدني والحراكات الشبابية منذ أزمة النفايات مروراً بكل الأزمات التي شهدها البلد خلال السنتين الأخيرتين. فقد أتى حراك المجتمع المدني أُكُله ولو أنه غير راض، وهو محق في ذلك، عن اعتماد هذه “النسبية”، المفصّلة على قياس هواجس ومصالح القوى السياسية الفاعلة، مع تجاهل مطالب قوى المجتمع المدني والشباب في إقرار الكوتا المخصّصة للمرأة، وتخفيض سنّ الاقتراع، والقانون يتجاهل أيضاً حق العسكريين بالإقتراع.

نعم لقد كانت نتائج الإنتخابات البلدية في 2016 أيضاً سيفاً مسلطاً وربما كابوساً بقي يتراءى أمام أنظار أصحاب القرار، الذين قاوموا طويلاً التغيير واستمروا كذلك حتى اللحظات الأخيرة من نفاذ المهل الدستورية وأهدروا أوقاتاً ثمينة منشغلين بحساباتهم ومخاوفهم من انقلاب حقيقي في مزاج اللبنانيين بعد تمديدين. فكان لهم بعد طول تسويف وتأجيل تمديد جديد يحب البعض تسميته بالتمديد التقني، إذ بات أمام النواب سنة إضافية أو أقل بقليل هي المدة التي ستمكثها هذه القوى مجدداً في مجلس النواب. ومن الضروري هنا التذكير بضرورة الإستفادة من التمديد الجديد للتحضير الجيد للانتخابات والأولوية لمكننة العملية الإنتخابية فنحن في القرن الواحد والعشرين.

إن القانون الجديد لن يسقط الطائفية بالضربة القاضية إذ اعتمد النسبية معدلة، بل ربما لن نحصل على الإصلاح المنشود الذي يفرضه دستور الطائف. والأمثلة كثيرة، وليس تقسيم بيروت إلاّ نموذجاً لسلب الناخبين حقهم في اختيار ممثليهم، فتقسيم العاصمة إلى دائرتين يسلب مسلمين هذا الحق (أين تذهب أصوات سنة الأشرفية مثلاً 6500] ناخب[)، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الدائرة الثانية إذ يسلب موارنة وكاثوليك حقهم أيضاً. هذا التقسيم لبيروت سيئ ويُعزز الطائفية والمناطقية أيضاً ويذكر بمقولة “شرقية وغربية” السيئة الذّكر، وطبعاً هذا ما يتعارض مع الطائف. ومع ذلك نجد أن التخلص من النظام الأكثري هو فرصة بحد ذاتها فقد يشكل اعتماد النسبية الناقصة مستقبلاً بوابة لاعتماد النسبية الكاملة أو المطلقة التي بغيرها ستبقى الفرص ضعيفة أمام الشباب للتغيير الحقيقي: أي المشاركة الحقيقية في القرار. وللمرأة كوتا تكون أيضاً مقدمة لإحداث اختراقات في هذا المجال. وكذلك عدم استثناء العسكريين في ممارسة حقهم في اختيار ممثليهم في الندوة البرلمانية. 

في أي حال، حق الناس اليوم على الحكومة أن تتفرغ للاهتمام بقضاياهم الإقتصادية المعيشية والأمنية والصحية والتعليمية والاجتماعية. فمن الأهمية بمكان أن تتفرّغ الحكومة لتحفيز الاقتصاد. وأن تؤكد أنها قادرة على ضبط الفساد – ولو على الطريقة اللبنانية بالتوافق على رفع الغطاء عن الفاسدين – واعتماد برنامج مرحلي إنقاذي لإخراج البلد من أزمته الاقتصادية. وهنالك ملفات حياتية تحتاج إلى حلول استراتيجية مثل موضوع النفايات والكهرباء والمياه والبيئة وإصلاح الإدارة وتأهيل الموظفين وتفعيل المراقبة والمحاسبة ومكافحة الفساد. ولا يمكن انتظار سنة جديدة للبت في ملفات هي في صميم الاهتمام بالإنسان سواء على مستوى الصحة وضمان الشيخوخة والتربية والتعليم، أم لناحية تحسين ظروف معيشته بإقرار سلسلة الرتب والرواتب وهذا الملف ضروري لتحريك العجلة الاقتصادية. والمطلوب أيضاً البت الجدي بملف الغاز والنفط، بعيداً عن التسييس من أجل الحفاظ على هذه الثروة للأجيال المقبلة.

المطلوب اليوم أيضاً بعد هذا الإنجاز أن تدرك الحكومة أن صورة لبنان في الخارج على مستوى ملفات الفساد ليست جيدة. فالحكومة مدعوّة اليوم إلى إغلاق أبواب الهدر. كذلك الأمر بالنسبة إلى البيئة فالمسألة لم يعد ممكناً السكوت عنها فهل نترك الأمور سائبة حتى تقاضينا المنظمات الدولية تلويثنا البحر الأبيض المتوسط؟ وهل ستسكت دول حوض الأبيض المتوسط عن إهمالنا المتمادي؟

أخيراً، نؤكد أن الكلمة الفصل الآن هي للمواطن اللبناني الذي عليه حسن الاختيار. والأمل بمجلس نواب جديد يضع في رأس أولوياته قضايا المواطن ونهضة الوطن واستنهاض مؤسساته، وبنواب يؤمنون بأن لبنان يجب أن يكون على لائحة الدول الناجحة في ميادين النزاهة والانتاج والتعليم والصحة وليس على قائمة الدول الأكثر فساداً.

العودة إلى أعلى
array(4) {
  ["post__not_in"]=>
  array(1) {
    [0]=>
    int(332830)
  }
  ["posts_per_page"]=>
  string(1) "3"
  ["category__in"]=>
  array(1) {
    [0]=>
    int(29)
  }
  ["no_found_rows"]=>
  int(1)
}