الإثنين، أيلول 16، 2019

لا تسويات في المدى المنظور…

22 تشرين الثاني
, 2015
, 11:06ص
لا تسويات في المدى المنظور…

دافيد عيسى 

من بين غيوم ملبدّة وازمات مكدّسة، وفي ظل وضع هشّ يتناتشه الفراغ والضياع وتختلط فيه التوترات السياسية الطائفية مع التفجيرات الأمنية الإرهابية… لاحت مؤخراً بوادر حلحلة ومؤشرات تفاؤل وسادت مناخات ايجابية. ولا يتعلق الأمر هنا فقط بالتضامن الوطني الذي تجلّى بعد تفجيرات برج البراجنة بين اللينانيين… بل تعداه الى ما هو ابعد بعدما اطلق امين عام حزب الله مبادرة سياسية دعا فيها الى تسوية داخلية شاملة من دون انتظار ما سيؤول اليه الوضع في المنطقة ومن دون الرهان على متغيرات اقليمية.

وهنا لا بد من التوقف مليّاً عند كلام السيد نصر الله لما تضمّنه من مواقف متقدمة ولا بد من التنويه بالمنحى الإيجابي لهذه المواقف وبما تنطوي عليه مبادرته من جدية ومسؤولية. فقد حرص السيد على ان يُقرن دعوته الى التسوية الشاملة بتطمينات وتأكيدات موجهة بشكل مباشر الى تيار المستقبل، والى تبديد انطباعات وتوقعات سادت في السنوات والأشهر الأخيرة بشأن حزب الله ومشاريعه وطموحاته ويعتبرها حزب الله خاطئة ومفتعلة.

فقد أكد السيد نصرالله بطريقة واضحة وجازمة ان ليس في خطط حزب الله ولا في اجندته السعيّ إلى مؤتمر تأسيسي او القيام بـ ” 7 أيار” جديد . لا بل ذهب إلى ما هو أوضح عندما دعا الى تسوية شاملة تحت سقف الطائف ومن ضمن الأليات الدستورية. وأقرن هذه الإشارة السياسية البليغة بإلتفاتة “امنية معبّرة” عندما أشار بدور فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي بكشف وتوقيف الشبكة الإرهابية التي تقف وراء انفجار برج البراجنة.

وكان من الطبيعيّ ان يلاقي الرئيس سعد الحريري هذه المبادرة بإيجابية وان يردّ على التحية بالمثل، وهو الذي وافق العام الماضي على الشراكة الحكومية مع حزب الله وعلى الحوار معه في عين التينة.

هذه كلها تطورات ومناخات جيّدة تبعث على الارتياح وتشيع اجواء انفراج وتحدّ من اجواء الاحتقان والتشنّج… ويجب ان تسود وتتواصل وتُقابَل بالتشجيع والتطوير في وضعٍ دقيق وحساس يقف عند شفير الإنهيار…

اللبنانيون معلقون “بحبال الهواء” كما يقال، بسبب المعاناة الطويلة التي عاشوها منذ العام 1975 وحتى اليوم فهم يتعلقون بكل مبادرة حسنة وكل كلمة طبية ويبنون آمالاٌ عليها، هذا ما يحصل معهم دائماً ثم يُحبطون، أليس هذا ما حصل معهم منذ مدة قريبة بعد الإتفاق النووي الأميركي الإيراني.

نحن نتمنى الوصول إلى التسوية الشاملة اليوم قبل الغد. ولكن نأسف ان تظل هذه التسوية تمنيات وفرضيات وليست واقعاً.

وإذا اعتمدنا الصراحة والصدق سبيلاً كما دائماً، فاننا نقول ان أوان هذه التسوية لم يَحن وان ظروفها لم تنضج بعد وان الاسباب والظروف التي حالت دون انتخاب رئيس جديد للبنان ما تزال قائمة.

جملة أسباب وعوامل تُسهم في تأخير التسوية اللبنانية الشاملة حتى إشعار آخر واهمها:

– هناك أولاً العامل اللبناني وحيث ان الصراع الدائر في لبنان منذ عشر سنوات على الأقل هو في الظاهر صراع سياسي بين فريقي ” 8 و14 آذار” ولكنه في الواقع والفعل صراع طائفي “سني – شيعي” يدور خصوصاً بين “حزب الله وتيار المستقبل”. وهما قوتان سياسيتان وشعبيتان تملكان ما يكفي من التأثير والنفوذ داخل طائفتيهما، وتختصران المعادلة اللبنانية إلى حدٍ كبير.

أما المسيحيون فكانوا في ذلك الوقت كتلة ملحقة لهاتين القوتين. اي إذا جاز التعبير “مسيحيون سنة” و”مسيحيون شيعة ” بالمعنى السياسي للكلمة. ومنذ فترة ليست بعيدة، حاول المسيحيون عبر اكبر حزبين “القوات اللبنانية والتيار الوطني الحرّ” توحيد الصفوف والجهود وتنسيق المواقف للخروج من هذه المعادلة واعادة الدور والموقع للمسيحيين داخل اللعبة السياسية ولمنع اي اتفاق محتمل يمكن أن يكون على حسابهم. حسناً فعل العماد عون والدكتور جعجع ولو متأخرين وهذه خطوة ساهمت في ان يحجز المسيحيون مجتمعين مقعداً لهم على طاولة التسوية عندما يأتي وقتها إذا أحسنوا المتابعة وأكملوا التفاهم والتعاون بما بينهم.

فإذا كانت المعادلة متمحورة حول الطرفين الأقوى او الأكثر تمثيلاً على الساحتين “السنيّة والشيعية” فان الواقع يقول ايضاً ان “تيار المستقبل وحزب الله” لديهما ارتباطات وثيقة بدولتين اقليميتين كبيرتين هما “السعودية وإيران” ويتلقان منهما الدعم السياسي والمالي ويلتزمان سياسات وتوجهات وتوجيهات هاتين الدولتين، وسيكون من الصعب عليهما المضيّ قدماً على طريق التسوية الشاملة في مثل هذه الظروف وعزل الوضع اللبناني عن التطورات والاجواء الاقليمية بما فيها اجواء العلاقة بين “السعودية وإيران”.

– هناك ثانياً العامل الاقليمي المتعلق خصوصاً بالعلاقة بين “إيران والسعودية”، الدولتان الأكثر تأثيراً في لبنان، وهذه العلاقة ما زالت على درجة عالية من التوتر والتشنّج خصوصاً مع احتدام الازمتين والحربين في سوريا واليمن، ولا تظهر في الأفق القريب مؤشرات إلى حوار سعودي – إيراني …

– هناك ثالثاً العامل الاسرائيلي المتربص والحاضر دائماً مع ان هناك حالة إغفال واهمال لهذا العامل المهم والأساسي والذي يلعب ويتحرك من خلف الستار. اسرائيل هي المستفيدة الوحيدة في المنطقة من كل الثورات والحروب التي اجتاحت المنطقة العربية وهي التي تكيّف وبمساعدة أميركية الاحداث وتسيّرها بما ينسجم مع مصالحها ومشاريعها لتفتيت المنطقة وتفكيك جيوشها وضرب عناصر القوة فيها. ولا يمكن للساحة اللبنانية ان تكون في منأى ومأمن من التدخلات الاسرائيلية المستترة والخفيّة في معظمها ولا يمكن لأسرائيل ان تدعّ لبنان ينعم بسلام دائم وتسويات شاملة تعاكس مشاريعها ومصالحها واهمها تفتيت الشرق الى دويلات طائفية ومذهبية متناحرة.

– هناك رابعاً العامل الاميركي الذي يمثل ثقلاً استراتيجياً في المنطقة ولطالما شكّل عامل دفع للحلول والتسويات في لبنان وقوة ضغط وتأثير على الدول الاقليمية المؤثرة فيه.

فالاميركيون منكفئون عن المنطقة وليست لديهم استراتيجة واضحة في سوريا وهو ما اتاح للروس التقدم وملىء الفراغ بعدما خلت الساحة لهم. وإدارة الرئيس اوباما تعيش آخر ايامها وبدأت عدّها العكّسي ولم تعدّ لديها لا الرغبة والإرادة ولا القدرة في احداث تغييرات جذرية أو في اجراء مداخلات وضغوط. هذا ما ينطبق على كل الازمات والملفات من اليمن والعراق وسوريا إلى ملف المفاوضات والسلام بين اسرائيل والفلسطينيين إلى الملف اللبناني الذي يقع أصلاً في أسفل سلم الأولويات…

هذا غيّض من فيّض العوامل المؤثرة والمؤخرة للتسوية في لبنان… التسوية الشاملة نتمناها وننتظرها بفارغ الصبر مثل جميع اللبنانيين الذين سئموا الحرب والقتل والدماء والدموع… ولكن سيّان ما بين التمني والواقع…

العودة إلى أعلى
array(4) {
  ["post__not_in"]=>
  array(1) {
    [0]=>
    int(119480)
  }
  ["posts_per_page"]=>
  string(1) "3"
  ["category__in"]=>
  array(2) {
    [0]=>
    int(30)
    [1]=>
    int(29)
  }
  ["no_found_rows"]=>
  int(1)
}