الخميس، تموز 20، 2017

علامات سياسية فارقة … 2016

9 كانون الثاني
, 2017
, 12:10م
علامات سياسية فارقة … 2016

دافيد عيسى

لكل عام احداثه ورجاله وشخصياته. هناك من يصنع الحدث وهناك في المقابل من يسبقه الحدث ويتجاوزه ويلغيه. ثمّة من يسطع نجمه وثمّة من يبدأ نجمه بالأفول، شخصيات تترك بصماتها وأثرها وشخصيات لا تترك وراءها اثراً وتمرّ مرور الكرام.
سياسيون يصلون الى الهدف بطموحهم وعنادهم وعن سابق تصور وتصميم، وسياسيون يصلون بالصدفة لأنهم محظوظون او ورثة لعائلات سياسية او اقرباء… مسؤولون ووزراء يحفرون في الذاكرة والوجدان الجماعي لأنهم تميّزوا ونجحوا، ومسؤولون ووزراء يصبحون مجرد ذكرى عابرة.
لم يكن العام 2016 حافلاً بأحداث كثيرة، ولكن احداثه المتمحورة حول الأستحقاق الرئاسي كانت نوعية فأحدثت تحولات وغيّرت مسارات وكسرت حلقات من الجمود والمراوحة، في العام الماضي تفكّك فريقا 8 و 14 آذار وقام على انقاضها اصطفاف سياسي جديد.
في العام 2016 حدثت مصالحة مسيحية وتحديدآ بين “القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر” مبنية على اتفاق رئاسي وسياسي، وكذلك وفي العام نفسه انتهى زمن الفراغ وخرجت رئاسة الجمهورية، وبأعجوبة من دائرة الخطر ووصل الى قصر بعبدا وللمرة الأولى بعد اتفاق الطائف وتحت مظلّته، من ينتمي الى نادي الأقوياء.
ميشال عون ..
مما لا شكّ فيه ان الرئيس ميشال عون هو شخصية العام 2016 ومن دون منازع بعدما نجح في الوصول الى قصر بعبدا رئيساً للجمهورية، لا بل بعدما نجح في العودة الى قصر بعبدا الذي غادره قبل ربع قرن بالقوة العسكرية في ظل انقسام وطني، وعاد اليه بالقوة السياسية والتوافق الوطني.
الرئيس عون سجّل سابقة تاريخية، اذ لم يسبق ان حصل في اي بلد في العالم ان شخصاً كان في السلطة وخرج منها بالضغط والإكراه والقوة وخسر المعركة والحرب، ثم عاد الى السلطة بعد 25 عاماً اقوى مما كان.
ربح العماد عون معركة الرئاسة متوجّاً حياته السياسية ومسيرة طويلة من النضال والكفاح، ويمكن لأكثر من حزب وقيادي ان يقول او يدّعي فضلاً ودوراً في وصول عون الى قصر بعبدا، ولكن يبقى ان الفضل الأساسي في وصوله يعود الى ميشال عون نفسه لأنه جاهد وعاند وحفر صخرة الرئاسة بإبرة المثابرة والصبر متحدّياً كل الظروف والتحديات والشكوك.
حسن نصرالله ..
سماحة السيد حسن نصر الله هو سيد العام 2016 في المطلق، لأنه كان سيد اللعبة السياسية في يده خطوط اللعبة وزمام المبادرة، حسن نصر الله الذي رسّخ دوره وموقفه كلاعب اقليمي، كان له الدور الاساسي بعد التسوية ” الاميركية- الايرانية” حول المنطقة ولبنان في المساهمة في حدث الرئاسة واوصلها الى “خاتمة سعيدة”.
وللتذكير فقط فإن امين عام حزب الله كان السبّاق الى تبنّي العماد ميشال عون وتأييده دون سواه، وظلّ ثابتاً على هذا الموقف والخيار الرئاسي ولم يتزحزح قيد أُنملة حتى عندما لاحت فرصة جدية لإنتخاب حليف اساسي وموثوق هو سليمان فرنجية.
سليمان فرنجية ..
صحيح ان سليمان فرنجية لم يُوفّق في الوصول الى قصر بعبدا بعدما كان اصبح على مشارفه واعتابه وانه خرج خاسراً من معركة رئاسية فُرضت عليه، ومن فرصة رئاسية سُنحت له، ولكن فرنجية لم يخرج خالي الوفاض، وخسارته لم تكن كاملة و”صافية” وانما حملت في طيّاتها ربحاً نسبياً، فقد انضمّ فرنجية رسمياً الى نادي المرشحين للرئاسة ليصبح من ابرز اعضائه ومتصدّراً الصفوف الأمامية ويجري التعاطي معه على انه “مشروع رئيس” للمستقبل في حال استمرت الظروف والمعطيات وموازين القوى الداخلية والإقليمية على حالها.
خرج فرنجية من السباق الرئاسي خروجاً مشرّفاً بالأوراق البيضاء ومن دون ان يرفع الراية البيضاء ولكنه لم يخرج من المعادلة السياسية وكان من الطبيعي ان يحصل على جائزة ترضية في اولى حكومات العهد وان يحجز له مكاناً على طاولة الحكومة والقرار. ولذلك كان سليمان فرنجية العلامة الفارقة في العام 2016 فاستقطب الإهتمام واليه اتجهت الأنظار والأضواء لفترة اشهر نحوه وكان في صلب الحدث الرئاسي وجزءاً منه.
ربما شكّل دخول فرنجية الى السباق الرئاسي وعن طريق الرئيس سعد الحريري نقطة تحوّل في مجرى هذا الإستحقاق وتسبّب في خلط اوراق معركة الرئاسة وفي إخراجها من حال الجمود والمراوحة التي لازمتها لعامين وفي كسر الحلقة المفرغة التي كانت تدور فيها.
سمير جعجع ..
ولكن يبقى ان من تسبّب بإحداث تحوّل جذري في مسار معركة رئاسة الجمهورية وبقلب المشهد رأساً على عقب هو الدكتور سمير جعجع رئيس حزب القوات اللبنانية الذي كان قراره بتأييد ترشيح العماد عون لرئاسة الجمهورية كافياً لحمل الجميع على اعادة حساباتهم التي لم تلحظ مثل هذا الإحتمال، احتمال ان يصبح المرشح الرسمي الوحيد لفريق 14 اذار والمنافس الاشرس للعماد عون من اول الداعمين له.
سمير جعجع الذي نفذ “انتفاضة رئاسية” سطع نجمه بقوة نتيجة القرار السياسي الصعب والجريء والمزدوج الذي اقدم عليه: القرار بعقد مصالحة سياسية مع العماد عون لا رجعة فيها الى الوراء… والقرار بتأييد ودعم وصول عون الى سدّة الرئاسة والعمل من اجل حصول الإنتخاب وتحقيق هذا الهدف. ومع انتخاب الجنرال مدعوماً من “الحكيم” ومستنداً الى قاعدة شعبية وسياسية مسيحية واسعة وصلبة، حدث التحوّل ليس فقط في معادلة الحكم بوصول رئيس مسيحي قوي وقيام وضع متكافئ على مستوى قمة السلطة وانما ايضاً في الوضع المسيحي الذي غادر مرحلة الضعف والإحباط ليستعيد المسيحيون مكانتهم والثقة بأنفسهم ودورهم ومستقبلهم ويدخلوا مرحلة الشراكة الفعلية والتوازن الوطني. وهذا كله لم يكن ليتحقق لولا سمير جعجع والمفاجأة التي فجّرها مع ” اتفاق معراب”، ليكون واحداً من صانعي الرئيس الجديد وليعود الى الحكم من الباب العريض ومع حصة حكومية وازنة يطمح الى رفدها وتعزيزها بكتلة نيابية وازنة في الإنتخابات المقبلة.
كما يمكن القول ان موقف جعجع هو الذي ادى بشكل مباشر الى الإنعطافة الثانية والنهائية في موقف الرئيس سعد الحريري بتأييده انتخاب عون رئيساً للجمهورية بعد الإنعطافة الأولى بدعمه غير الرسمي لترشيح فرنجية. فقد اضطر الحريري لسلوك هذا الطريق واخذ هذا الخيار بعدما ادّى موقف جعجع الى تضييق هامش الخيارات المتاحة امامه والى ان يصبح خيار انتخاب عون خياراً متقدماً ولا خيار آخر من الناحية العملية.
سعد الحريري ..
الرئيس سعد الحريري كان “رجل الحظ” في العام 2016 لأنه نجح في العودة الى السراي الحكومي ولو بثمن سياسي مرتفع وهو وصول حليف “حزب الله” الى رئاسة الجمهورية، ولأنه تفادى سقوطاً سياسياً وشعبياً كانت ملامحه ظهرت في الإنتخابات البلدية خصوصاً في طرابلس حيث برزت “ظاهرة اشرف ريفي” وكان ليتطور بشكل دراماتيكي وسريع نحو الأسوأ لو لم يحصل تعويم سياسي وحكومي ردّ الإعتبار لشخصه ودوره، ولو لم يعد في الوقت المناسب الى الحكم.
وفي الختام اذا كانت معركة رئاسة الجمهورية هي محور الحركة والأحداث في العام 2016 وهي التي افرزت وحددت شخصيات العام ونجومه وعلاماته المميزة والفارقة، فإن “النجومية” لم تكن محصورة بمن سبق تعدادهم ولم تقتصر على قادة الأحزاب واقطاب السياسة وانما تحققت ولمعت في مكان آخر، في حكومة “الفراغ الرئاسي” حكومة الإنتقال الطويل بين عهدين، وكلمة حق تُقال ان هذه الحقبة كانت حقبة بعض “الوزراء النجوم” الذين نجحوا في ادارة وزاراتهم وفي تحقيق انجازات ملموسة وفي اكتساب إعجاب وثقة اللبنانيين.
ملاحظة: يغيب السياسي دافيد عيسى عن قرائه طيلة الشهر الاول من سنة 2017 في اجازة سنوية.

العودة إلى أعلى
array(4) {
  ["post__not_in"]=>
  array(1) {
    [0]=>
    int(282362)
  }
  ["posts_per_page"]=>
  string(1) "3"
  ["category__in"]=>
  array(1) {
    [0]=>
    int(29)
  }
  ["no_found_rows"]=>
  int(1)
}