الأربعاء، أيار 22، 2019

سيدنا… ماذا أقول عنك في يوم وداعك؟

16 أيار
, 2019
, 9:26ص
سيدنا… ماذا أقول عنك في يوم وداعك؟

بقلم: دافيد عيسى
سياسي لبناني

قيل الكثير في البطريرك صفير، وكل ما قيل صحيح وليس فيه مبالغة ولا مزايدة، وإنما هو مستحق لذلك وقد لا يفيه حقه، هذا البطريرك الزاهد المتقشف… هذا البطريرك الصلب بمواقفه وبالمبادئ الوطنية وبالقيم الكنسية، العنيد في الحق، الصابر، المتجذر في الأرض مثل سنديانة عتيقة، الرافع الرأس مثل أرزة شامخة… هو الذي لم يتراجع يوماً أمام صعوبات ومخاطر ولم يضعف يوماً أمام تهديد وابتزاز، وتحلى دوماً بصلابة وحكمة وبعد نظر، مبتعداً عن التهور والانفعال ومترفعاً عن الصغائر والسياسات الضيقة الأفق.
المؤمن المثقف المتسامح حمل بشجاعة وإقدام رسالة الدفاع عن إرث مسيحي بطريركي يمتد لمئات السنوات ولم يحد يوماً عن الخط التاريخي المسيحي اللبناني الذي عنوانه العريض: الحرية والاستقلال… وظل حراً في الزمن الصعب وفي بلاد كثر من أسيادها وسياسييها الأجراء والأزلام والأتباع الخانعين المتزلفين…
البطريرك صفير، صاحب القامة الوطنية العالية، والقامة الإنسانية العميقة، أدرك وبعمق دور البطريركية المارونية في الحفاظ على الكيان اللبناني، لبنان الرسالة، المميز في محيطه العربي وغير المنفصل عنه، لبنان المساحة الحضارية وليس فقط المساحة الجغرافية، أدرك وبعمق أن لبنان والحرية صنوان، فإذا زالت لم يعد له معنى ودور وفقد مبرر وجوده.
مجد لبنان أعطي له، لا بل انتزعه واسترده بقوة الوطنية وعمق المحبة للشعب اللبناني والإلفة معه، بطريرك الحرية هو بطريرك الشعب أيضاً، الشعب الذي أحبه والتف حوله واستقبله استقبال الأبطال ذات يوم بعد عودته المظفرة من الولايات المتحدة، ووثق به وتبعه مثل الخراف التي تعرف راعيها وتتبعه، الشعب الذي احترمه وانحنى إجلالاً لبطريرك التواضع والنقاوة والمحبة، وصاحب الدور القيادي والوطني الذي قاد السفينة في أعتى الظروف وأحلكها وصارع الأمواج وأوصلها إلى شاطئ البر والأمان بقوة الإيمان.
إنه عن حق بطريرك الاستقلال الثاني، فالنداء الشهير الذي أطلقه عبر مجلس المطارنة من بكركي كان الشرارة التي أيقظت الضمائر وألهبت المشاعر وأشعلت الانتفاضة الشعبية العارمة في 14 اذار، وبقدر ما كان البطريرك صفير متمسكاً بالسيادة والحرية والاستقلال وكل هذه القيم التي صنعت لبنان وميزته عن كل محيطه، فإنه كان حريصاً على العيش المشترك والوحدة الوطنية، هو الذي دعا الموارنة لأن يكونوا في خدمة لبنان لا أن يجعلوا لبنان في خدمتهم…
لا عجب إن امتلأت اليوم ساحات بكركي بآلاف اللبنانيين الآتين من كل الجهات، من الأرياف والمدن، ومن كل المناطق، مسلمين ومسيحيين يلفهم حزن عميق، حاملين معهم تحية الوفاء والتقدير لمن ناضل في سبيل حريتهم وسيادة وطنهم وحمل لواء الدفاع عن الوطن والدولة بكل ما أوتي من قوة وإرادة صلبة، وظل متشبثاً بالأمل في وقت كان كثيرون غارقين في الإحباط واليأس، وظل متمسكاً بالمبادئ والقيم في زمن المصالح والحسابات، وواجه التحديات والصعوبات برباطة جأش وشجاعة وقوة في كل المحطات والاستحقاقات بدءاً من اتفاق الطائف مروراً بمصالحة الجبل وصولاً إلى انتفاضة 14 آذار…
مار نصرالله بطرس صفير كان من صانعي تاريخ لبنان المعاصر وكتبت فيه صفحات مشرفة.
قال كلمته ومشى وما قاله قد قاله… رسم الطريق القويم، طريق الحق والحرية ومضى في سبيله لملاقاة ربه مقيماً مع الأبرار والقديسين… نحن على دربه سائرون وعلى نهجه باقون وبتعاليمه ملتزمون. وهو من عليائه عين ساهرة على لبنان وشعبه…
وداعاً بطريرك الشعب… بطريرك الحرية والسيادة والاستقلال.

العودة إلى أعلى
array(4) {
  ["post__not_in"]=>
  array(1) {
    [0]=>
    int(521031)
  }
  ["posts_per_page"]=>
  string(1) "3"
  ["category__in"]=>
  array(2) {
    [0]=>
    int(30)
    [1]=>
    int(29)
  }
  ["no_found_rows"]=>
  int(1)
}