الأربعاء، تشرين الأول 23، 2019

دور لبري في مصالحة “التيار” و”القوات”؟

16 أيلول
, 2019
, 10:10ص

بقلم: دافيد عيسى – سياسي لبناني

أثبت الرئيس نبيه بري وعلى إمتداد ثلاثة عقود من الزمن أمضاها في رئاسة مجلس النواب، أنه الرقم الصعب في كل العهود والشريك الأول في الحكم وصناعة القرارات وهندسة السياسات وإدارة الازمات واجتراح الحلول، الامر الذي جعل منه وعن حق ضمانة الوحدة الوطنية وصمام الأمان والاستقرار السياسي، ورائد مدرسةٍ سياسية وضع أسسها وقواعدها التي تستند الى إدراك عميق لتركيبة الكيان اللبناني ومجتمعه السياسي وخصوصياته وتوازناته، والى طريقة خاصة في التعاطي مع الأوضاع ونسج العلاقات تتميز بالحنكة والحكمة في آن… وهذا ما اكسب بري قوة البقاء والاستمرار والثبات برغم كل التبدلات والتقلبات.
ويكفي اننا عرفنا منذ اتفاق الطائف خمسة رؤساء للجمهورية وستة رؤساء للحكومة ولم نعرف الا رئيساً واحداً للمجلس النيابي.
وحتى لا نعود الى سنوات بعيدة مضت، فإننا نكتفي بالتوقف عند إنجازات سياسية ووطنية حققها نبيه بري في السنوات الخمس الأخيرة وهي:
1- كان لبري الفضل والدور الأساسي في ضبط الصراع “السني – الشيعي” الذي انفجر في المنطقة وعمل بكل طاقته لمنع تمدده الى لبنان، وإبقاء الساحة اللبنانية في منأى ومأمن عنه، والى جانب دعواته المتكررة الى حوار وتقارب بين “السعودية وإيران” لوأد هذا الصراع في مهده، عمِل بري على تنظيم ورعاية حوار بين “تيار المستقبل وحزب الله”، اللذين يشكلان الامتداد اللبناني لكل من “السعودية وإيران”.
كما نجح في إقامة لقاءات مفتوحة بينهما في عين التينة، وكان لها أبلغ الأثر في احتواء أجواء التوتر والتعصب المذهبي والسياسي، إضافة الى دور هذا الحوار في إيجاد حل لأزمة الفراغ الرئاسي، وفي إرساء التسوية والاستقرار السياسي على أساسها.
2- لعب نبيه بري ايضاً الدور الأساسي في حل الخلاف “الدرزي – الشيعي” الذي اندلع على مراحل وبدءاً من أيار 2008، بين “الحزب الاشتراكي وحزب الله”، وهو من ابتدع نظرية الاتفاق على تنظيم الخلاف بينهما في فترة الحرب السورية.
وعندما رأى بري ان الخلاف تفاقم قبل أشهر والهوّة اتسعت، بادر الى عقد لقاءات حوارية في عين التينة بين قياديي الحزبين، توقفت لفترة بسبب تداعيات حادثة قبرشمون، ومن ثم استؤنِفَت مع بداية هذا الشهر وبزخم أقوى ووفق مسار تصاعدي، سيتوّج عاجلاً وليس آجلاً بلقاء بين السيد حسن نصرالله ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط لإرساء العلاقة على أسس ثابتة، وفي مقدمها الاعتراف بحجم جنبلاط الشعبي والسياسي ومعاملته على هذا الأساس كشريك أساسي لا يمكن عزله أو تطويعه، مقابل اعتراف جنبلاط بواقع التسوية ونتائجها وعدم التخريب او المشاغبة عليها.
3- عندما احتدم في الأشهر الماضية القليلة الخلاف “الدرزي – الدرزي” وتطور الى توترات وحوادث في الشارع، وكانت أخطرها حادثة قبرشمون، لم يتردد الرئيس بري في التدخل وبذل جهود مكثفة لإطفاء هذه المشكلة، التي كادت أن تُهدّد الاستقرار الأمني والسياسي والحكومي، ولإجراء مصالحة بين جنبلاط ورئيس الحزب الديموقراطي اللبناني النائب طلال ارسلان بعد الوقوف على مطالب وهواجس الطرفين.
وأجرى بري لقاءات مع جنبلاط وموفديه، ومع أرسلان متجاوزاً حساسيات سياسية نشأت بينهما بسبب الانتخابات النيابية الأخيرة، ولا نبالغ في القول ان الرئيس بري هو من دفع باتجاه لقاء المصارحة والمصالحة في قصر بعبدا وتحت رئاسة ورعاية رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، وهو من دفع باتجاه تغليب المعالجة السياسية على الأمنية وتوفير الظروف الملائمة ليشق المسار القضائي طريقه ويأخذ مداه بعد إتمام المصالحة السياسية، التي أُنجِزَتْ بنجاح، وأعادت الى الجبل أجواء الاستقرار والطمأنينة.
4- عندما برزت على امتداد الأشهر الماضية ملامح خلاف بين رئيسي الجمهورية والحكومة أعطاه البعض طابع الخلاف “المسيحي – السني” على الدور والصلاحيات وكيفية تفسير وتطبيق اتفاق الطائف، ولم ينحسر هذا الخلاف ولم يتم وضع حد للمحاولين الاصطياد في المياه العكرة والايقاع بين ركني السلطة التنفيذية، الا عندما تدخل الرئيس بري لإبقاء الخلاف واسبابه وطرق معالجته في إطار المؤسسات الدستورية.
وبالفعل فإن هذا الخلاف “الرئاسي” الذي نشب بسبب حدة الازمة الاقتصادية وكيفية مقاربتها، وبسبب مضاعفات حادثة قبرشمون، انتهى في الاجتماعات السياسية والمالية التي جرت في قصر بعبدا، وكان الرئيس بري هو من هندسها ووفّر مقومات نجاحها، وبدل ان يشتغل رئيس المجلس على تناقضات رئيسي الجمهورية والحكومة للإفادة منها في تعزيز موقعه والتدخل في شؤون السلطة التنفيذية، فإنه اشتغل على تطويق الخلافات وتأمين وحدة الحكم وتماسكه في مواجهة الظروف والأوضاع الخطيرة، بدءاً من الازمة المالية والاقتصادية، مروراً بمشاكل النزوح واللجوء، وصولاً الى التهديدات الإسرائيلية ومسألة ترسيم الحدود.
ولم يكن مستغرباً ان يكون الرئيس بري اول المرحبين بانعقاد طاولة الحوار الاقتصادي في قصر بعبدا وأكثر المتحمسين لها، بعدما أيقن ان الازمة تتطلب معالجة نوعية واستثنائية وإعلاناً لحال طوارئ اقتصادية، وان القرارات والإجراءات الموجعة تحتاج الى توافق وغطاء سياسي لسحبها من سوق المزايدات ولوضع الجميع امام مسؤولياتهم.
بعد كل ذلك، هل يكون مستغرباً و”مستهجناً” ان نسمع يومآ ان نبيه بري تدخل ايضآ لرأب الصدع على الساحة المسيحية، نظراً لخبرته المكتسبة وتجربته الناجحة في حل المشاكل والخلافات بين كل القوى السياسية؟.
ما يحدونا الى هذا التفكير أمران:
الأول: ما نشهده من تفاقم للخلاف بين “التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية” وعودته الى ما كان عليه قبل اتفاق المصالحة في معراب، وهذا الخلاف، وبغض النظر عن أسبابه ومن تسبَّبَ به ومن يتحمل مسؤولية تجدده، فإن هذا الوضع يُشكّلُ مصدر قلقٍ فعلي عند الأكثرية الساحقة من المسيحيين، وبات الهاجس الأول لهم لما له من انعكاسات سلبية على واقع الدور المسيحي وعلى وجوده المسيحيين ومستقبلهم.
الثاني: ما نشهده من انحسار لدور المرجعيات المسيحية المعنية اكثر من غيرها بحل معضلة الخلاف المسيحي، ولنقلها بصراحة وصدق ان مسؤولية ضبط الساحة المسيحية وتوحيد صفوفها واستقرار أوضاعها تقع اولاً على عاتق رئيس الجمهورية العماد ميشال عون كونه ضامن الوحدة الوطنية وممثل المسيحيين في الدولة والحكم في ظل النظام الطائفي المعتمد وكونه “بي الكل”.
وتقع المسؤولية ثانياً على عاتق البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، كونه “بي الطائفة المارونية” والراعي الصالح، من هنا لا يمكن لبكركي ان تتوانى عن دورها تحت أي ذريعة وتترك الامور على هذا الشكل.
في الختام وبعد كل ذلك لا يمكن لنا ان نُلام إذا تخيلنا او تمنينا ان وساطة للرئيس نبيه بري ستحصل لحل الخلاف بين “التيار والقوات”، بعدما نجح في حل كل أنواع الخلافات حيث لم يجرؤ الآخرون.

العودة إلى أعلى
array(4) {
  ["post__not_in"]=>
  array(1) {
    [0]=>
    int(563759)
  }
  ["posts_per_page"]=>
  string(1) "3"
  ["category__in"]=>
  array(1) {
    [0]=>
    int(29)
  }
  ["no_found_rows"]=>
  int(1)
}