الخميس، نيسان 9، 2020

جلجلة مسيحية آخرها قيامة ..

30 آذار
, 2015
, 10:01ص

بقلم الكاتب والسياسي دافيد عيسى
                                                                     
يعيش المسيحيون في الشرق مرحلة آلام موجعة ويسيرون على درب الجلجلة في زمن “الانهيار العربي”. وقدرهم ان يدفعوا ثمن صراعات مذهبية وسياسية لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وان يكونوا ضحايا التطرف والارهاب والعنف الطائفي .
 ولا نبالغ إذا قلنا ان المسيحيين في هذه المنطقة، التي هي مهد المسيحية ومنها انطلقت وانتشرت في كل العالم، لم يواجهوا في تاريخهم الحافل بالاخطار والمعاناة ما يواجهونه هذه السنوات والايام من اضطهاد وخطر وجودي، ومن عملية مبرمجة لاقتلاعهم من ارضهم وتصفية وجودهم التاريخي فيها بكل مظاهره وابعاده الدينية والحضارية والثقافية والاجتماعية…
آخر الضحايا كانوا  “الأشوريين” الذين يُعدّون طائفة وجماعة مؤسسة في هذه المنطقة ومكوّناً تاريخياً من مكوناتها الأصلية والأصيلة.
الأشوريون جذورهم ضاربة في الأرض والتاريخ، ويأتي اليوم من يريد عن جهل وتعصّب أعمى وحقد دفين ان يقتلعهم من جذورهم ويمارس ضدهم التهجير والابعاد واجتثاث الوجود، فيضطرون إلى مغادرة قراهم وارضهم في هذه المنطقة حيث يعيشون منذ آلاف السنين وإلى ان يتركوا وراءهم تاريخاً وارضاً وذكريات وحضارة مهددة بالانقراض.
فجماعات الارهاب والجهل والتكفير التي تشد بالمنطقة إلى أيام الجاهلية لا تكتفي بقتل البشر ذبحاً وحرقاً وانما تمعن في قتل الحضارة  وتدمير مظاهرها ومتاحفها…
لم يسبق لمسيحيي المشرق العربي ان واجهوا مثل هذا الوضع ” الكارثي”. في ظل لا مبالاة دولية إزاء ما يتعرضون له باعتبارهم لا يمثلون شيئاً في سياسة المصالح الدولية وخارطة النفوذ، وفي ظل فوضى عربية عارمة تجعل ان الحكومات والانظمة عاجزة عن مواجهة الازمات والتهديدات الكبيرة والصغيرة، وفي ظل انهيار بنية الدولة ومؤسساتها في البلدان العربية المتفجرة بحيث لم تعد الدولة هي الحامية والضامنة لمواطنيها ورعاياها…
 في ظل كل هذا “الانكشاف” يشعر المسيحيون انهم متروكون لمصيرهم، ويواجهون وضعاً خانقاً يحاصرهم ويضعهم أمام ثلاثة خيارات كلها سيئة وصعبة، فأما ان يواجهوا خطر الموت بأشكال متعددة، وأما ان يتعايشوا مع أمر واقع مفروض عليهم ويغيّروا مكرهين في تقاليدهم ونمط عيشهم وفي دينهم، وأما ان يغادروا ويهاجروا تاركين وراءهم املاكهم وارزاقهم وبيوتهم وكل شيء للافلات من آلة الموت، والدخول بالمقابل في المجهول والمستقبل الغامض…
المشكلة تكمن في ان المجتمع الدولي ليس مهتماً بتثبيت المسيحيين في ارضهم وتوفير الحماية والملاذ الآمن لهم في هذه المنطقة بقدر اهتمامه بتوفير الاغراءات وعناصر الجذب لهم كي يتوجهوا إلى الغرب حيث الأمن والامان والرفاهية. ومقابل ما يفعله الغرب وما يطرحه، لا تقدم الدول والحكومات العربية الحماية ولا الاغراءات والحوافز المضادة لمواطنيهم المسيحيين ابناء هذه البلدان للبقاء والتشبث بارضهم. 
كما تتصرف القيادات العربية الاسلامية الدينية والسياسية بطريقة لا تعكس اهتماماً موازياً لحجم الكارثة والتي لا تدل إلى استيعاب وتقدير “خطر” خلو المنطقة العربية من الوجود المسيحي الذي هو “الاصل والفصل والوصل” كما قال جبران باسيل في خطابه امام مجلس الامن في نيويورك، والذي شكّل هذا الوجود على مرّ التاريخ قيمة مضافة لهذه المنطقة واضفى عليها طابع التمّيز والتنوع والغنى عبر تعايش الاديان وتفاعل الحضارات والثقافات.
جانب آخر من المشكلة والصورة يبعث على القلق والتبصّر في واقع الحال. وهذا الجانب يتعلق بالوجهة التي يختارها مسيحيو العراق وسوريا عندما يضطرون إلى ترك أراضيهم وبيوتهم قسراً. وهذه الوجهة باتت للأسف بعيدة ومحددة في دول أوروبا وأميركا واستراليا وكندا. وأما لبنان فانه لم يعد الواجهة النهائية والملاذ الآمن. ذلك ان نظرة المسيحيين في سوريا والعراق وغيرهما من دول عربية تبدلت ولم تعد كما كانت في الماضي بسبب الانقسام السياسي المسيحي الحاد الذي يعيشه المسيحيون والوضع السياسي المزري والبائس الذين وصلوا اليه، ولم يعد التعاطي من هؤلاء مع لبنان على انه مقر وملاذ، وانما تحول الى ممر وجسر عبور إلى الغرب. وهذا يعني بكل بساطة ان ثقة المسيحيين العرب بلبنان ومسيحييه ضعفت وتفككت, وهذا يعود الفضل فيه الى السياسيين المسيحيين “الاشاوس” الذين لا هم لهم سوى مصالحهم وطموحاتهم وخلافاتهم على السلطة والمال.
فاذا كان المسيحيون في لبنان غير واثقين في وضعهم بسبب الخلافات والانقسامات السياسية الحادة والمزمنة بين سياسييهم, ويساورهم الخوف والقلق على المستقبل والمصير, فكيف لهم ان يكونوا مدعاة ثقة للمسيحيين في دول الجوار اللبناني؟ وإذا كانوا غير قادرين على التفاهم فيما بينهم فكيف لهم ان يضطلعوا بدور في حماية الآخرين؟
وهناك عامل آخر يلعب دوره ايضاً في هذا المجال وهو يتمثل بالفراغ في رئاسة الجمهورية وحيث ان لبنان هو البلد الوحيد في كل دول الشرق الأوسط رئيسه مسيحي… فان هذا الوجه أصبح ممزقاً ومشوهاً في ظل الفراغ الحاصل ونشوء وضع شاذ لدولة من دون رئيس ورأس، وأخطر ما فيه واقع يترسخ مع الوقت ويصبح مألوفاً ومعتاداً عليه وبما يؤدي إلى تقويض رئاسة الجمهورية وضرب صورتها ورصيدها لتصبح غير ذات شأن وعديمة التأثير والفعالية سواء كان رئيس الجمهورية موجوداً أو لم يكن…
 والسؤال يبقى ماذا يفعل السياسيون المسيحيون لاستعادة الرئاسة الضائعة واستعادة توازنهم المفقود غير المزايدات والعنتريات ومحاولة تسجيل النقاط بعضهم على بعض ؟ وإذا كان الوجود المسيحي في لبنان يقاس بدورهم الوطني ووظيفتهم السياسية وأدائهم النوعي فأين هو هذا الدور اليوم في خضم الصراع “السني – الشيعي” ؟ 
لقد حان الوقت الى الخروج من الصراعات السخيفة حول السلطة والعمل بجدية من اجل وضع مشروع مستقبلي للمسيحيين في مواجهة تطورات المنطقة تأخذ بعين الاعتبار كل الاحتمالات والنتائج الممكنة وهذا يبداء من خلال :
–    الدفع في اتجاه انتخاب رئيس للجمهورية وعلى أساس توافق مسيحي يكون مدخلاً إلى توافق وطني.
–    اجراء مصالحة حقيقية وتصفية القلوب والنيات بين الاحزاب السياسية المسيحية والتفاهم فيما بينهم اقله على الامور الاساسية التي تقوي الوجود والدور المسيحي داخل الدولة ومؤسساتها ووضع المصلحة المسيحية العليا فوق كل المصالح والطموحات الشخصية، وفي هذا المجال يتطلع المسيحيون بكثير من الامل والرجاء الى الحوار بين (التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية) وكذلك الى الحوار بين (القوات اللبنانية وتيار المردة) وهم يتضرعون الى الله ان يلهم قادة هذه الاحزاب الحكمة والتواضع حتى نتمكن من طي صفحة الماضي الاليم والبغيض وفتح صفحة جديدة مبنية على المحبة والتفاهم والتعاون لما فيه خير ومصلحة ودور ووجود المسيحيين  .
–    الالتفاف حول الجيش ودعمه في حربه ضد الارهاب بكل الطرق والامكانات بما في ذلك حثّ المسيحيين على الانخراط في المؤسسة العسكرية وترسيخ فكرة ان الدولة هي الضمانة والحماية ولا شريك لها ولا منافس ولا بديل.
–    إعادة تكوين السلطة والمؤسسات على أسس ثابتة من العدالة والتوازن الوطني بشقيه السياسي والطائفي بدءاً من قانون انتخابات جديد عادل ومتوازن وصولاً إلى قانون استعادة الجنسية وما بينهما من قانون اللامركزية الادارية الموسعة.
وفي الختام وبالرغم من كل المآسي والاخطار والتحديات والاضطهاد فاننا نقول انه لا مكان عند المسيحيين لليأس والاحباط ولا مكان إلا للايمان والرجاء… وان الليل مهما حلك فآخره فجر آتٍ. والسماء مهما اكفهرت وتلبدت بالغيوم آخرها شمس ساطعة… وطريق الجلجلة مهما طالت وعظمت بالآلام آخرها قيامة… حقاً وحتماً.

 

العودة إلى أعلى
array(4) {
  ["post__not_in"]=>
  array(1) {
    [0]=>
    int(9505)
  }
  ["posts_per_page"]=>
  string(1) "3"
  ["category__in"]=>
  array(1) {
    [0]=>
    int(29)
  }
  ["no_found_rows"]=>
  int(1)
}