الإثنين، حزيران 24، 2019

“تفاهم عون الحريري”… مفتاح الاستقرار

25 آذار
, 2019
, 10:06ص
“تفاهم عون الحريري”… مفتاح الاستقرار

بقلم: دافيد عيسى
سياسي لبناني

انتظر اللبنانيون طويلاً هذه الحكومة، وتوسّموا فيها خيراً وعلّقوا عليها آمالاً عريضة بعد ولادتها، ولكن للأسف، بدل أن تعطي الحكومة إشارات مشجّعة تدلّ على استعدادها وجهوزيتها للعمل والإنتاج، فإنها على العكس تسبّبت بنشر أجواء خيبة وشكوك وتساؤلات.
المكتوب يقرأ من عنوانه والحكومة الجديدة تقرأ من انطلاقتها، وحتى الآن تبدو الانطلاقة ليست في المستوى المطلوب، فبعد تأخير تسعة أشهر في التأليف، كان يُفترض بالعمل الوزاري أن يكون سريعاً ومكثّفاً فإذا به جاء بطيئاً و”متلعثماً”… وإذا كان الجميع متفقين على أن الأولوية هي للوضع الاقتصادي الاجتماعي والمعيشي ولا شيء يتقدّم على حياة الناس ورفاهيتهم وكرامتهم، فإن الترجمة العملية لهذا الاتفاق جاءت مخالفة له نصاً وروحاً بعدما تقدّمت الملفات السياسية الخلافية إلى الصف الأمامي ونشبت بسببها سجالات وتجاذبات كي تعمّق الأزمة الاقتصادية المالية والمعيشية وتزيدها تأزماً…
* وإذا كانت مكافحة الفساد مطلباً وطنياً وشعبياً بعدما فتك الفساد بالجسم الهزيل للدولة اللبنانية وتفشّى فيها وبات يهدّدها بالسقوط المريع، فإن مقاربة موضوع الفساد بالطريقة التي نشاهدها أي بطريقة سياسية فيها الكثير من الضوضاء وملامح تصفية الحسابات يبشّر بفشل هذه العملية، كونه مسألة مكافحة الفساد يجب تسلك الطرق القضائية الهادئة والهادفة لا المزايدات والمحاكمات الإعلامية والمسبقة، وهذا ما أدى ويؤدي إلى تشنّجات طائفية وسياسية وإلى بروز لغة التحديات والخطوط الحمر…
* وإذا كانت قضية النازحين السوريين قضية وطنية بامتياز ويفترض أن لا خلاف حولها لا في تقدير مخاطرها ولا في تحديد كيفية معالجتها، إلا أن ما يحدث يدلّ إلى أنها تحوّلت سبباً لخلاف سياسي ينعكس سلباً على قدرة لبنان في تحمّل أعباء هذا الملف وعلى صورته الدولية وحيث أن المجتمع الدولي يقف حائراً ومشدوهاً أمام هذا الانقسام السياسي اللبناني الذي يحصل في الوقت الخطأ وفي الملف الخطأ، لأنه ملف يجب أن يجمع لا أن يفرّق ولأن لسان حال المجتمع الدولي عند مخاطبته السياسيين اللبنانيين: “ساعدوا أنفسكم كي نستطيع أن نساعدكم”.
كل ذلك أدّى إلى حال تململ وعدم رضى عند الرأي العام الذي كان يتطلّع إلى انطلاقة أقوى وأفعل لهذه الحكومة، ولكن ما زاد علامات القلق والاستفهام والتعجّب عند اللبنانيين هو عندما حدث اهتزاز في العلاقة بين رئاستَي الجمهورية والحكومة بسبب الاشتباك السياسي الذي حصل بين رئيس الحكومة ورئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل، والذي جاء ملتبساً في ظروفه وأسبابه غير المفهومة.
ولا يهمّ هنا البحث في خلفيات ما حدث، ولا يهمّ الناس كثيراً إذا كان الخلاف حاصلاً حول خطة الكهرباء أو صفقة التعيينات أو أزمة النازحين، الناس يهمّهم النتائج والمفاعيل لمعرفتهم أن الانعكاسات ستكون سلبية وسيئة على وضع الحكومة أولاً وعلى الاستقرار السياسي ثانياً وعلى الوضع الاقتصادي والمالي والمعيشي خصوصاً…
لا تكفي التطمينات التي تعطى والتوضيحات التي تصدر بشأن استمرار الحكومة والتسوية الرئاسية، الناس لا يريدون أن يسمعوا أقوالاً وإنما يريدون أن يروا أفعالاً، وما يرونه يقلقهم وليس حتى الآن ما يرونه مطمئناً ومشجعاً.
وكان يكفي أن يحدث اهتزاز في العلاقة الرئاسية وأن يطرأ خلل عليها حتى تتأثر الحكومة وتضعف الثقة بها، والثابت الأكيد أن العلاقة الجيدة، علاقة التفاهم والتعاون بين عون والحريري، هي أساس استمرار الحكومة، فمن دون هذه العلاقة لا استقرار سياسي وحكومي ولا حكومة مستقرة ومنتجة وقادرة على أن تواجه التحديات وتأخذ القرارات الصعبة، وإذا حدث لا سمح الله ما يعكّر صفو العلاقة بين رئاستَي الجمهورية والحكومة، فإن ذلك سيكون أقصر الطرق وأسرعها إلى الانهيار السياسي والاقتصادي وإلى سقوط الحكومة.
ليس خافياً على أحد أن العهد الحالي عهد الرئيس ميشال عون قام على تسوية سياسية رئاسية يشكّل “حزب الله” ركيزة أساسية فيها، ولكن هذه التسوية وعلى مستوى الحكم والسلطة التنفيذية تقوم على تفاهم رئيسَي الجمهورية والحكومة وعلى علاقة الثقة التي نشأت بين عون والحريري وزادتها التجارب في الأعوام الثلاث الماضية رسوخاً وثباتاً، وبالتالي فإن أولى الأولويات هي الحفاظ على هذه العلاقة التي تشمل بالطبع الرئيس نبيه بري ومعه تكتمل حلقة الحكم ومقوّماته… فالتفاهم بين رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس النواب ورئاسة الحكومة في هذه الظروف الحساسة والدقيقة هو “صمام أمان” المرحلة ومن دونه لا مجال لتحقيق أي خطوة إلى الأمام ولتحقيق أي إنجاز وملف مهما كان صغيراً…
إن دقّة المرحلة تحتّم علينا القول إنه إذا كان التفاهم بين عون والحريري هو مفتاح الاستقرار داخل الحكم والممرّ الإجباري للتقدّم والإنتاج والإنجاز داخل الدولة، فإن التفاهم والتواصل بين الحريري و”حزب الله” هو الممر الإجباري إلى قطع دابر الفتنة، فلا يكفي أن يكون هناك علاقة جيدة ووطيدة بين رئيس الجمهورية وقيادة “حزب الله” إذا لم تستكمل بعلاقة “التفهم والتفاهم” بين رئيس الحكومة وقيادة هذا الحزب أيضاً التي هي انعكاس عملي للعلاقة “الشيعية – السنية” التي حافظت على استقرارها رغم كل الاضطراب في المحيط العربي ودول الجوار، وحيث كان لبنان البلد الوحيد في المنطقة، في زمن الثورات والحروب وما سُمي الربيع العربي، الذي دار على أرضه حوار “سني – شيعي” هو الحوار الذي نظّمه واستضافه ورعاه رئيس مجلس النواب نبيه بري في عين التينة وهو الذي أسس للتسوية الرئاسية التي تظلّل الوضع اللبناني وتقيه التقلبات الإقليمية الحادة وتحفظ استقراره ويجب أن تستمر في مطلق الأحوال والظروف…

العودة إلى أعلى
array(4) {
  ["post__not_in"]=>
  array(1) {
    [0]=>
    int(506347)
  }
  ["posts_per_page"]=>
  string(1) "3"
  ["category__in"]=>
  array(2) {
    [0]=>
    int(30)
    [1]=>
    int(29)
  }
  ["no_found_rows"]=>
  int(1)
}