الأحد، كانون الأول 15، 2019

الى الجيش والشعب “تحية” في عيد الاستقلال

22 تشرين الثاني
, 2019
, 11:10ص
الى الجيش والشعب “تحية” في عيد الاستقلال

الى الجيش والشعب “تحية” في عيد الاستقلال

بقلم: دافيد عيسى
سياسي لبناني

لن أقول في عيد الاستقلال “عيد بأي حال عدت يا عيد”. صحيح ان اللبنانيين يعيشون ظروفاً صعبة جداً، بالهم مشغول وقلقهم مشروع وثقتهم بالدولة مفقودة. صحيح ان الأجواء ملبدة والأزمات ضاغطة والضائقة المالية والاقتصادية خانقة. ولكن برغم كل شيء ثمة ما يدعو الى التفاؤل والامل، وثمة أمر مشجع وإيجابي يخترق جدار الإحباط والسلبية، وهو ان هناك شعباً ينبض بالحياة، وجيلاً شاباً تمرد على الواقع وكسر حاجز الخوف وأخرج البلاد من سبات عميق، وأن هناك جيشاً بطلآ بقيادة حكيمة وواعية يحمي شعبه ويضمن السلم الأهلي ويمنع الانزلاق الى الفوضى والعنف.
في يوم الاستقلال اتوجه الى الجيش اللبناني والشعب اللبناني بالآتي:
الى الشعب اللبناني أقول: إنك قمت بعمل رائع عندما انتفضت على واقع مرير لم يعد يحتمل، عندما انتفضت لكرامتك ومن اجل مستقبلك، وصدمت وفاجأت كل من يراهن على صمتك واستسلامك للواقع، فجاءت انتفاضتك مدوّية، نقية، حضارية، راقية، عفوية، نابعة من وجع وفقر وحرمان.
هكذا يجب ان تبقى هذه الانتفاضة وتستمر منزّهة عن الشوائب والاخطاء ومترفعة عن الضغائن والصغائر، لا تقع في أفخاخ الطوائف والأحزاب، ولا تسمح لأحد ان يستغلها ويجيّرها لمصالحه ومشاريعه ويأخذها الى مكان آخر.
هذه أيام تاريخية، وهذه نهضة شعبية عارمة، سموها ما شئتم، ثورة، انتفاضة أو حراكاً، انها لحظة الولادة الجديدة لشعب أراد الحياة والاستقلال عن طبقة سياسية معظمها فاسدة. اقول معظمها لأني غير موافق على عبارة (كلن يعني كلن)، فهناك العديد من الوزراء والنواب الاوادم الذين لم تتلطخ اياديهم بسرقة المال العام، ولم يشاركوا بالصفقات والسمسرات، ومن الظلم تحميلهم مسؤولية ما فعله غيرهم منذ العام 1992 وحتى اليوم.
انها نقطة تحوّل إذا اثمرت وترسخت احدثت تحوّلاً عميقاً في الذهنية والممارسة وفي المفاهيم والسلوكيات، وتُرجمت لاحقاً في تغيير عملي عبر صناديق الاقتراع وفي كل انتخابات نيابية كانت ام نقابية، فهذه فرصة سانحة للتغيير لا يجب تفويتها. وعلى اللبنانيين ان يتفادوا الوقوع مجدداً في خطأ انتخاب من ليسوا اهلاً لتمثيلهم والدفاع عن مصالحهم، وفي خطأ الانسياق والانصياع وراء زعامات وأحزاب وسياسيين تجاوزهم الزمن ولا ينتمون الى مشروع الدولة الحديثة والنظيفة والعادلة.
ومثلما نجح المحامون في كسر حاجز التقليد وفي إحداث هذه النقلة النوعية، هكذا إمكانية النجاح وفرصة التغيير متوافرة في كل النقابات والقطاعات، وصولاً الى مجلس النواب، وكل من يدرك عمق التحوّل الحاصل عند اللبنانيين ومن لم يقرأ بدءاً من انتخابات نقابة المحامين، المزاج الشعبي الجديد، فإنه سيتخلف عن ركب هذه الموجة الشعبية النهضوية، وسيجد نفسه عاجلاً أم آجلاً خارج التاريخ والجغرافيا.
والى الجيش اللبناني اقول: ان الحمل الذي حملته هو حمل ثقيل، ولكنك قادر وقوي. وان المسؤولية الملقاة على عاتقك هي مسؤولية جسيمة وتتطلب تضحيات وانت على قدر هذه المسؤولية، ولن تنال منك لا ضغوط ولا شائعات ولا تجنٍ وتحامل.
صحيح أنك حرمت هذا العام بفعل الظروف الاستثنائية من إقامة العرض العسكري المركزي في العاصمة، ولكن اللبنانيين اقاموا للجيش قيادة وضباطاً وأفراداً زوايا دافئة في قلوبهم، ومنصات تقدير وثناء، لأن الجيش يكاد يكون المؤسسة الوحيدة التي يثقون بها ويسلمون اليها امرهم وأمنهم، ولأن الجيش بقيادة العماد جوزف عون أثبت في امتحان جديد هو الأدق والأصعب بين كل الامتحانات التي خاضها في العقدين والاخيرين، أنه الضمانة والحماية، وأنه الملاذ عندما تشتد الصعاب وبارقة الامل عندما تكفهّر الأجواء ويكبر القلق.
لا نبالغ إذا قلنا ان قيادة الجيش اللبناني واجهت وما تزال وضعاً صعباً ودقيقاً وتعاطت معه بمسؤولية وعناية ودقة متناهية، وفي التوجه الذي صاغته والخيار الذي اعتمدته لم تأخذ الا مصلحة الشعب وأمنه وسلامته، معياراً وهدفاً، فلم تلتفت لحسابات وسياسات ضيقة، ولم تأبه لانتقادات من هنا وتهجمات من هناك، ولم تتخذ الا قرارات مدروسة ومتوازنة تتماشى مع دقة الوضع وخطورته.
فقد أعلن قائد الجيش العماد جوزف عون وبكل وضوح وحزم ان الجيش يحمي المتظاهرين ويؤمّن سلامتهم، ويحمي حرية التعبير والتظاهر، وأعلن أيضاً ان الجيش يحمي مصالح المواطنين ويحمي حرية التنقل، وهذا معناه ان التظاهرات مصانة في الشوارع والساحات، ولكن قطع الطرقات ممنوع لأنه سيكون الطريق الأقرب الى المشاكل والمواجهات والفتن.
قدر الجيش اللبناني ان لا يرتاح وان يظل في ساحة التضحية والمواجهة كل حين. بالأمس القريب واجه خطر الإرهاب وتغلب عليه، واليوم يواجه خطر الفتنة الداخلية وسيتغلب عليها. قدر الجيش ان يواجه وينتصر.
الأمن عند الجيش خط أحمر…وعند اللبنانيين الجيش خط أحمر.

العودة إلى أعلى
array(4) {
  ["post__not_in"]=>
  array(1) {
    [0]=>
    int(589199)
  }
  ["posts_per_page"]=>
  string(1) "3"
  ["category__in"]=>
  array(1) {
    [0]=>
    int(29)
  }
  ["no_found_rows"]=>
  int(1)
}